| (الموساد عارياً).. انكشاف آخر القلاع السرية والوحشية للاحتلال الإسرائيلي |
|
بقي جهاز (الموساد) الإسرائيلي منذ العام (1948) أحد أهم القلاع
|
|
العدد: |
347 |
الكـاتب: |
عامر راشد |
|
بقي جهاز (الموساد) الإسرائيلي منذ العام (1948) أحد أهم القلاع السرية للاحتلال الإسرائيلي، والأداة الأكثر وحشية لتنفيذ عمليات الاغتيال والتصفية ضد القادة الفلسطينيين. وحتى عشية عملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح في دبي (19/1/2010) كان الإسرائيليون يتغنون بالسجل الإجرامي الحافل لجهاز (الموساد)، وإنجازات قائده الحالي مئير داغان، الذي وضع بصمته الخاصة على سلسلة طويلة من الجرائم في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة ولبنان، ووصل الأمر بوسائل الإعلام الإسرائيلية حدَّ الافتتان بشخصيته، وتقديمه كأسطورة تقف وراء النجاحات التي نسبت إلى جهاز (الموساد) تحت قيادته في السنوات الثماني الأخيرة.
لكن تداعيات عملية اغتيال المبحوح قلبت الصورة رأساً على عقب، بكشفها عن نقاط ضعف في منهجية عمل جهاز (الموساد)، ومهنية من يضعون خططه ويتولون الإشراف على تنفيذها. وتطرح نقاط الضعف أسئلة صعبة على القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية، وهي أسئلة استراتيجية وصفها بعض المحليين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين بأنها أسئلة مصيرية، لأن (إسرائيل) تراهن على جهاز (الموساد) في أي مواجهة عسكرية محتملة مع إيران أو مع المقاومة اللبنانية.
ويحدد المحللون السياسيون والعسكريون الإسرائيليون عدداً من الأخطاء التي ارتكبها جهاز (الموساد) في تنفيذ عملية اغتيال المبحوح، وأهم هذه النقاط:
النقطة الأولى: شابَ تنفيذ العملية الإجرامية أخطاء مهنية مكنت شرطة دبي من تحديد هويات المشاركين في العملية خلال فترة قياسية، مما حوَّل (النجاح التكتيكي) - في تنفيذ العملية وخروج المنفذين من دبي - إلى فشل استراتيجي، يدلل على محدودية قدرات جهاز (الموساد)، وعدم مقدرة المخططين فيه على مواجهة تحديات تكنولوجية بسيطة، حيث لم يأخذوا بعين الاعتبار كاميرات المراقبة في الفندق - الذي نفذت فيه الجريمة - وفي مطار دبي. ولا يمكن تصنيف هذا الخطأ في خانة (الخلل المحتمل)، إنما في خانة (الأخطاء المنهجية)، فقادة الموساد وعلى رأسهم مئير داغان لم يكن لديهم أدنى معرفة عن قدرة شرطة دبي على استخدام المعلومات التي يوفرها لها نظام المراقبة بالكاميرات، وقدرتها على الربط بين كاميرات المطار والفندق وتحديد هوية الفاعلين.
النقطة الثانية: كشفت العملية أساليب عمل جهاز (الموساد)، وحرقت أكثر من سبع مجموعات من عملائه السريين تضم ثلاثين فرداً في أقل تقدير، كانوا يتمتعون بحرية حركة وخدمات لوجستية في بريطانيا وأيرلندة وفرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وأستراليا وهونغ كونغ. وهذه خسارة كبيرة بكل المقاييس لا تقل عن الخسارة التي لحقت بجهاز (الموساد) نتيجة تفكيك عدة شبكات تجسس زرعها في لبنان. ويجب التأكيد هنا على أن جهاز (الموساد) يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير لإعادة بناء خلايا بديلة. والكشف عن أساليب عمل جهاز (الموساد) سيمكن في المستقبل من فرض قيود خانقة على تنفيذ عملياته وتمويلها وتحركات عملائه.
النقطة الثالثة: فشل العملية على المستوى الاستراتيجي زعزع الثقة في الدور الذي يلعبه جهاز (الموساد) في التحضير لعمل عسكري محتمل ضد إيران أو ضد المقاومة اللبنانية، وعادت التحذيرات من حالة (العمى الاستخباراتي) الذي كان - حسب تقرير لجنة فينوغراد - أحد الأسباب الرئيسية في الهزيمة المرة التي ألحقتها المقاومة اللبنانية بالجيش الإسرائيلي في حرب تموز (2006)، بالخسائر الكبيرة التي كبدته إياها، وبإظهاره كقوة قتل عمياء عاجزة عن تحقيق أهدافها.
النقطة الرابعة: إعلان رئيس شرطة دبي عن نيته الطلب من النائب العام في دبي إصدار مذكرات ملاحقة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس جهاز (الموساد) مئير داغان سيثير لـ(إسرائيل) مشكلات دبلوماسية مع حلفائها في دول الاتحاد الأوروبي، وسيربك النشاط السياسي الإسرائيلي باتجاه هذه الدول، فضلاً عن إثارة مشكلات قانونية مع المنظمات والمؤسسات الدولية ذات الصلة. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يتوفر فيها كم من الأدلة الحسية تدين رئيس جهاز (الموساد) المسؤول مهنياً عن الجريمة، وتدين ورئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يعود له القرار الأول والأخير في تنفيذها.
النقطة الخامسة: شكل استخدام المنفذين لجوازات سفر أوروبية إحراجاً للدول الأوروبية المعنية، وهو ما اضطرها إلى فتح تحقيق شامل بشأن ذلك، ويتخوف الإسرائيليون من أن تؤثر نتائج التحقيقات على التعاون القائم بين جهاز (الموساد) وأجهزة المخابرات الأوروبية، وعلى حرية الحركة التي يتمتع بها عملائه السريين، الذين يتخذون من المدن الأوروبية والآسيوية مراكز انطلاق لهم ومحطات تنسيق في تنفيذ عمليات التصفية الإجرامية، وقد كشفت التحقيقات عن أن مجموعات الموساد التي شاركت في عملية الاغتيال انطلقت من (زيوريخ، روما، باريس، فرانكفورت، ميلانو، ديزلدورف وهونغ كونغ).
النقطة السادسة: تنفيذ العملية الإجرامية في دبي حمل مضـار سياسية كبيرة لـ(إســـــــــرائيل) بحرمانهــــا الإســــرائيليين مــن التسهيلات التي كانت تقدم لهم لدخول بعض دول الخليج العربي بقصد التجارة والسياحة والمشاركة في المؤتمرات الدولية، فقد أكد قائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان تميم أنه لن يسمح لحملة جوازات السفر الإسرائيلية بدخول دبي، وسيتم التشدد في التعامل مع دخول الإسرائيليين الذين يحملون جنسية مشتركة.
النقطة السابعة: الفشل الاستراتيجي للعملية وضع مصير مئير داغان في عداد المجهول، حيث تتصاعد المطالبات بإقالته من منصبه، وهو ما قد يشكل تثبيطاً لعزيمة من سيخلفه لأن الخوف من تكرار الفشل سيطارده.
بسقوط أسطورة (المناعة والمهنية العالية) لجهاز (الموساد) تفقد الدعاية الإسرائيلية واحدة من أهم أدواتها إثارة، والتي حاول من خلالها الإعلام الإسرائيلي رسم (إسرائيل) في صورة (الكيان الذي لا يهزم). ويعترف المسؤولون في جهاز (الموساد) أن نشاطهم الإجرامي سيكون أكثر صعوبة في المستقبل، وأن الكثير من الامتيازات التي تمتعوا بها في الماضي موضوعة الآن على طاولة البحث.
ومن المؤكد أن المسؤولين الإسرائيليين في المستويات السياسية والعسكرية والأمنية يعكفون الآن على دراسة المنعطف الذي شكلته تبعات عملية اغتيال الشهيد المبحوح، ويبحثون سبل منع تفاقم القضية وتحولها إلى أداة لفرض عزلة دولية على (إسرائيل) والتعامل معها كدولة مارقة وخارقة للقانون الدولي. ومن المؤكد أيضاً أن متابعة الملف أمام المؤسسات الدولية المعنية هو الكفيل هذه المرة بمنع إفلات مجرمي الحرب الإسرائيليين من العقاب.
|