| قرابة ثلاثة مليارات دولار .. العجز في الميزان التجاري السوري .. دراسة في الأسباب والحلول |
|
بعد أن كان تحقيق الفائض التجاري أحد السمات الأساسية للميزان التجاري
|
|
العدد: |
347 |
الكـاتب: |
فراس حداد |
|
بعد أن كان تحقيق الفائض التجاري أحد السمات الأساسية للميزان التجاري السوري، انعكست عمليات الانفتاح والتحول الاقتصادي التي شهدتها سوريا خلال الخطة الخمسية العاشرة مباشرة على الميزان التجاري، الذي انقلب طيلة فترة الخطة من الفائض إلى العجز، والذي توجَّهُ تحقيق عجز قياسي غير مسبوق تكرر خلال العامين الماضيين قرب (130) مليار ليرة سوريّة، حسب آخر الأرقام غير التفصيلية التي زودنا بها المكتب المركزي للإحصاء للعام (2009)، وتلك التفصيلية منها عن العام (2008)، الذي لم يستطع ارتفاع أسعار النفط في (2008)، ولا حتى انخفاض أسعار الواردات في (2009) في تخفيضه.
فما هي أسباب هذا التحول؟ وهل هناك فوارق حققته؟ وهل أصبح سمة ستستمر؟ ثم ما هي الطرق الأمثل للخروج منه؟
أسباب العجز:
حسابياً السبب الرئيسي للعجز هو زيادة قيمة الواردات التي تستوردها سوريا من دول العالم على قيمة صادراتها إليه، وبلغة الأرقام، وعلى الرغم من التطور الكبير لحجم وقيمة الصادرات السوريّة، وخاصة تلك غير النفطية منها ابتداءً من العام (2004) إلا أن هذا التطور لم يستطع اللحاق بالطفرة غير المسبوقة التي تحققت في قيمة الواردات السورية ابتداءً من نفس العام والتي يبينها بوضوح الجدول التالي:

|
إذاً وبشكل لا يدعو للشك فقد حمل الكثير من المحللين توجهات الخطة الخمسية أسباب هذا العجز - فعلى الرغم من أن الخطة قد وضعت في الحسبان الكثير من الآليات التي من شأنها تشجيع الصادرات السوريّة وخاصة صادرات القطاع الخاص، وهو الأمر الذي حصل بالفعل لتصبح صادرات هذا القطاع هي الجزء الأهم في هيكلية الصادرات السوريّة بعد احتكارها لسنوات طويلة من قبل القطاع العام، إلا أن الصحيح أيضاً بأن تحرير التجارة الخارجية وتخفيض الرسوم الجمركية، قد حمل معه هو الآخر زيادة كبيرة في قيمة واردات هذا القطاع، عاكسة ما حققته فئة التجار من أرباح خيالية جراء هذه الطفرة في التجارة الخارجية، دون أن تستطيع الخطة أن ترشد هذا الاستيراد وتوجهه إلى ما يفيد بالفعل الاقتصاد السوري.
وبلغة الأرقام صدر القطاع العام خلال العام (2008) ما قيمته (283) مليار ليرة سوريّة مقابل استيراده (291) ملياراً محققاً عجزاً لا يتجاوز الثمانية مليارات ليرة سوريّة، في الوقت الذي صدر فيه القطاع الخاص ما قيمته (424) مليار ليرة سوريّة مقابل استيراده لـ(547) مليار محققاً عجزاً قياسياً وصل إلى (123) مليار ليرة سوريّة خلال عام واحد.
العجز بالقطاعات:
بعد أن حددنا السبب الرئيسي في تحقيق العجز القياسي في الميزان التجاري السوري لا بد من الانتقال لدراسة هيكلية هذا العجز بين القطاعات المختلفة، للوصول إلى نتائج أفضل للدراسة، وحسب أرقام آخر خلاصة للتجارة الخارجية زودنا بها المكتب المركزي عن العام (2008) استخلصنا الأرقام التالية ونظمناها في جدول يبين توزع كل من الفائض والعجز بين القطاعات الأساسية التالية:

|
وكما هو واضح بالجدول لم يأت العجز نتيجة لتراكمه في كافة القطاعات، بل كان نتيجة لعملية حسابية لقطاعات حققت عجزا فاق بقيمته الفائض المحقق في قطاعات أخرى، وعلى رأس القطاعات التي حققت عجزاً خلال العام المذكور:
المملكة النباتية والحيوانية:
أن يكون العجز في القطاع التكنولوجي، أو حتى المعدني فذلك أمر يمكن استيعابه، أما أن يصل العجز إلى قطاع الزراعة فهو أمر مثير للدهشة حقاً، فسوريا التي طالما صنفت بلداً زراعياً تستورد من السلع الزراعية الأولية (غير المصنعة) أكثر مما تصدر، هذا الأمر الذي يدعو للدهشة حقاً، لم يستغربه المحللون الاقتصاديون لأنهم كانوا يتوقعونه فعلاً أمام السياسات الزراعية المنتهجة خلال السنوات القليلة الماضية أكثر مما أعادوه لعوامل المناخ والجفاف الذي اجتاح المناطق الشرقية سنوات الدراسة، فتلك السياسات التي رفعت تكلفة المنتج الزراعي كنتيجة مباشرة لرفع أسعار المازوت وتحرير أسعار الأسمدة كان لا بد وأن تخفض من الإنتاج الزراعي في سوريا، الذي تدنت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من (29 %) بداية العقد إلى حوالي (19 %) العام الماضي، الأمر الذي نقل العديد من المنتجات الزراعية من قائمة الصادرات إلى قائمة المستوردات في عام واحد فقط، على رأسها الشعير الذي استوردنا منه بقيمة (16) مليار ليرة خلال العام المذكور نحو (25 %) من وارداتنا الزراعية والحيوانية!! تليها الحنطة بنحو أربعة مليارات ليرة سوريّة لتكون المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي نستورد فيها القمح.
وهنا لا بد وأن ننوه بأن معظم الخلافات القائمة في أروقة منظمة التجارة العالمية اليوم إنما تعود إلى استمرار حماية الدول للمنتجات الزراعية، وهو أمر استمر في تطبيقه كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اللذين لم يتخليا عن دعم مزارعيهم، إن كان من خلال الدعم النقدي المباشر أو من خلال منع استيراد بعض السلع الاستراتيجية، أما في سوريا وعلى الرغم من عدم انضمامنا للمنظمة المذكورة نرى بأننا نصدر الكثير من السلع الزراعية ونستوردها بنفس الوقت، إذ تشير خلاصة التجارة إلى أننا نصدر البطاطا ونستورد البطاطا، نصدر البندورة ونستورد البندورة!!
قطاع النفط ومشتقاته:
من المعروف بأن افتقار سوريا إلى مصافي نفطية باستثناء مصفاتي حمص وبانياس، جعلها تصدر النفط الخام لتعود وتستورد مشتقاته أمام ازدياد الطلب عليها في السوق المحلية وخاصة المازوت، مفوتة على نفسها مليارات الليرات من القيم المضافة نتيجة لهذا الأمر، وبالأرقام صدرنا (8.5) مليون طن نفط خام قيمتها حوالي (210) مليار ليرة في الوقت الذي استوردنا فيه (6.5) مليون طن وصلت قيمتها إلى (240) مليار ليرة، الأمر الذي يعني خسارة مليوني طن نفط وثلاثين مليار ليرة نتيجة لعدم وجود مصفاة ثالثة لاشتقاق المازوت من النفط السوري بدلاً من استيراده.
قطاع المعادن:
والذي يمكن أن نصفه بالخاسر الأكبر في الميزان التجاري السوري، ويكفي أن نشير إلى أن عجزنا من هذا القطاع لوحده قد وصل إلى (115) مليار ليرة سوريّة لنقف عند ضخامة الأمر، ليفرض هذا القطاع نفسه بقوة في التجارة الخارجية السوريّة أمام النهضة العمرانية التي تعيشها البلاد.
على الجانب الآخر يأتي كل من قطاعي الصناعة التحويلية والنسيج ليرفعا راية الفائض التجاري بشكل ملموس، متأثرين باتفاقية التجارة الحرة العربية، والتي رفعت بشكل لا يدعو للشك من قيم تصدير هذين القطاعين اللذين يسيطر عليهما القطاع الخاص بشكل عام.
من المسؤول؟
أمام كل ما ذكر لا بد من الاعتراف بأن سياسات تحرير التجارة الخارجية من جهة، وإعطاء الدور الأكبر للقطاع الخاص فيها من جهة أخرى كانا العاملان الرئيسيان وراء العجز المهول، فعلى الرغم من الصادرات التصنيعية الممتازة للقطاع الخاص وخاصة في قطاعي النسيج والصناعة الغذائية، إلا أنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن تفاقم العجز، أمام الارتفاع الأسطوري في واردات القطاع الخاص، التي لم تضر بالميزان التجاري فحسب بقدر ما تركت العديد من الانعكاسات السلبية على الصناعة السوريّة، ويكفي أن نعلم ها هنا بأن الميزان التجاري للقطاع الخاص مسؤول مسؤولية مباشرة عن أكثر من (93 %) من العجز المحقق لعام الدراسة، وفي الوقت الذي صدر به هذا القطاع ما قيمته (424) مليار ليرة سوريّة واستورد ما قيمته (548) مليار ليرة سوريّة محققاً عجزاً قدره (124) مليار ليرة، في حين لم يتجاوز العجز المحقق في الميزان التجاري للقطاع العام الثمانية مليارات ليرة لا غير.
هل من حلول؟
أمام كل ما ذكر لا بد من تدخل مباشر من الحكومة في قطاع التجارة الخارجية، من خلال ترشيد استيراد القطاع الخاص الذي لا يهمه سوى الربح والدليل أن تحولنا من الفائض إلى العجز لم يأت من استيراد القطاع الخاص للتقانات الحديثة والآلات بقدر ما جاء من استيراده للمواد الاستهلاكية أو الوسيطة أو المستخدمة في الأعمال.
من جهة أخرى لا بد من البدء بالتفكير عملياً بدعم صناعات بدائل المستوردات، وخاصة تلك التي نستورد منها قيماً كبيرة للغاية، كالمشتقات النفطية، والبولي بروبلين ومشتقاته اللذين نستورد منهما نحو (35 %) من وارداتنا من العالم الخارجي، كما لا بد من إعطاء دور أكبر للسفارات ومجالس الأعمال المشتركة في فتح الأسواق أمام الصادرات السورية، ناهيك عن القيام بدراسة جدية لخارطة التجارة الخارجية مع دول العالم، لتحديد تلك الدول الأكثر عجزاً في التبادل التجاري معها لمحاولة سد هذا العجز أو أقله تخفيضه بالطرق الممكنة.
|